ذكريات رمضانية: "الظنون"


هذه صفحة من كتاب "صديقي ما أعظمك" للكاتب الراحل "عبد الوهاب مطاوع"، تحكي موقف طريف حدث له أيام الدراسة الجامعية، يمكنكم الضغط على الصورة لرؤيتها بحجم أكبر وقراءتها.
أول مرة قرأتها سافرت معها بالذاكرة فورًا لموقف مشابه -إلى حد ما- حدث لي قبلها بسنوات.. كنت لازلت طالبة في المدرسة الثانوية والوقت كان رمضان حين يصبح من المألوف رؤية الطالبات يحملن المصاحف ويُقبلن على قراءة القرآن قدر الإمكان في أي وقت فراغ متاح أملاً في ختم القرآن كاملاً مرة أو أكثر قبل نهاية الشهر الكريم.

الموقف بدأ حين كنت أجلس في الفصل في المقعد المشترك الذي تشاركني فيه زميلتان أخريتان، وكنا في وقت الفسحة، وأنا ممسكة بمصحفي أقرأ بنهم وأتمتم بالآيات وكانت تجلس بجواري إحدى الزميلتين، أنا على طرف المقعد وهي بجواري وبجوارها الحائط،، لسبب ما وجدت زميلتي هذه تقاطع اندماجي في القراءة وتخبرني بظنها أنني ولابد أستطيع ترتيل القرآن بصوت حسن، لا أدري بالتحديد السبب الذي أوحى لها بهذا الظن.. ربما إلتزامي بالحجاب المحتشم قدر المستطاع، أو هدوئي، أو حيائي وانطوائي، أو كل هؤلاء مجتمعين لا أدري!
نفيت لها ظنها وأخبرتها أنني على العكس صوتي سيء جدًا للأسف، وربما يساهم في هذا عدم اتقاني لقواعد التجويد بما يكفي لتهذيب تلاوتي، وكم أنني أغبط كل من يتمتع بنعمة الصوت الحسن في التلاوة. وكنت صادقة فقد كان صوتي سيئًا جدًا حينها.
إلا أنها "ظنت" مجددًا أنني "أكذب" عليها بسبب خجلي وعدم رغبتي في القراءة بصوت عالٍ، وأنا ولله الحمد لست بالكذابة وأكره أن يتهمني أحد بالكذب! كررت نفي التهمة عن نفسي أكثر من مرة إلا أنها أصرت على طلبها سماع تلاوتي، فقلت في نفسي لماذا أشفق عليها من سماع صوتي؟! إن كانت تتهمني بالكذب فهذا عقاب تستحقه على أي حال! وبدأت...
ما أن ارتفع صوتي في تلاوة الآية التالية حتى لاحظت تعابير الإرتياع والصدمة وخيبة الأمل مجتمعين على وجهها، ولم تمض ثوانٍ وإلا وبدأت في الإعتذار طالبة مني التوقف، لكنني لم أحب التوقف وسط الآية وقررت أن أكملها للنهاية، فليس بعد كل هذا الإلحاح تقرر هي متى أتوقف، ومن حظها كانت الآية طويلة إلى حد ما مما جعلها تترجاني للتوقف وتتلفت حولها بحثًا عن نجدة تغيثها من هذا الصوت الذي لم تتوقع سماعه لكن دون فائدة إلى أن انتهيت.
أتمنى أن يكون هذا الموقف قد علمها ألا تثق بظنها كثيرًا في الآخرين، وألا تكذبهم فيما يخبرون عن أنفسهم دون دليل، وألا تلح في طلب ما لا تدري عواقبه!
بعد هذا "الحادث" بعدة سنوات وكنت قد تخرجت وعملت في إحدى الشركات، وأيضًا في رمضان وأنا أجلس بجوار زميلة، ممسكة بمصحفي أتمتم بالآيات، وجدت هذه الزميلة تقول بثقة شديدة أنها متأكدة من حسن صوتي في التلاوة وأنني أجيدها... إلخ، قلت في نفسي: "يا إلهي! لا، ليس مجددًا!" فقد كان صوتي لازال به بعض النشاز، نفيت لها ظنها بأدب، لكنها حاوَلَت معي بنفس طريقة الاستفزاز قائلة:"لا أصدقك.. أنا متأكدة...إلخ".. هذه المرة قررت أن أكون أكثر نضجًا في رد فعلي ولا أعاقبها هي الأخرى على تكذيبها غير المبرر لي، فوجهت نظري لمصحفي مجددًا آخذة نفسًا عميقًا، مبتسمة، ومتعجبة من ثقة البعض -المفرطة- في ظنونهم، وأكملت تمتمتي بالآيات بصوت خفيض لا يعذب أحد.. إلا الشياطين من حولي!

لو فقط توقف البعض عن الظن، لَتحول العالم إلى مكان.. ممم أهدأ؟ ربما!

4 ...تعليقات:

E73 يقول...

أنت ظريفة قوي
طيب أنا متأكدة إنك ظريفة قوي
طيب والله ظريفة قوي

سردك ممتع
^_^
شكرًا على مشاركتنا ذكرياتك

مسلمة يقول...

E73
تظنين أنني ظريفة قوي؟
شكرًا على حسن ظنك على أي حال ^^"

Julia Al Arab يقول...

:D شكراً للترويح عننا، أضحك الله سنك :)

مسلمة يقول...

عفوًا
شكرًا لكِ :)

 

الحقوق محفوظة © فلة الكنانة. Template created by Volverene from Templates Block